لا يكفي في ​قانون العفو​ العام ال​لبنان​ي أن نعرف أن الجريمة ارتُكبت قبل الأول من آذار 2026 حتى نستنتج أن مرتكبها يستفيد من العفو. فالقانون رقم 70 الصادر في 4 أيلول 2026 وضع مجموعة من الاستثناءات التي تمنع الاستفادة من العفو في جرائم محددة، بعضها مرتبط بطبيعة الفعل الجرمي، وبعضها الآخر مرتبط بصفة مرتكبه أو بالظروف التي ارتُكبت فيها الجريمة.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند الانتقال إلى الجرائم العسكرية والأمنية. فهل يستثني القانون كل جريمة يرتكبها عسكري أو عنصر أمني؟ وهل يكفي أن تنظر المحكمة العسكرية في ملف ما كي يصبح خارج العفو؟ وما الفرق بين الجريمة العسكرية التي استثناها المشرّع صراحةً والجريمة العادية التي قد يرتكبها شخص ينتمي إلى مؤسسة عسكرية أو أمنية؟

جاء قرار المجلس الدستوري رقم 12 الصادر في 12 تشرين الأول 2026 ليؤكد أهمية الالتزام بالنص وحدوده، وليوضح بعض الاستثناءات، ولا سيما في جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية. ومن هنا، لا بد من قراءة المواد ذات الصلة باعتبارها أحكامًا مختلفة لا يجوز جمعها في قاعدة واحدة فضفاضة.

أولًا: القانون لا يستثني جميع الجرائم لمجرد أن مرتكبها عسكري

تنص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون العفو على استثناء فئتين محددتين: الجرائم العسكرية المنصوص عليها في الباب الثاني من الكتاب الثالث، والجرائم الشائنة المنصوص عليها في المادة 105 من قانون القضاء العسكري رقم 24 الصادر في 13 نيسان 1968.

وهذا التحديد مهم. فالنص لا يقول إن كل جريمة يرتكبها عسكري مستثناة من العفو، بل يحيل إلى فئات قانونية محددة في قانون القضاء العسكري.

وبالتالي، فإن معرفة صفة الشخص وحدها لا تكفي لحسم المسألة. لا بد من تحديد الفعل المنسوب إليه، والنص القانوني الذي يجرّمه، وما إذا كان يدخل ضمن الجرائم التي استثناها قانون العفو صراحةً.

وفي المقابل، لا يجوز افتراض أن الجريمة تدخل في العفو لمجرد أنها لا تحمل وصفًا عسكريًا. فقد تكون مستثناة بموجب بند آخر من المادة الثانية، كجرائم القتل القصدي أو العمدي، أو الجرائم الإرهابية المحددة في القانون، أو الخيانة والتجسس، أو جرائم المخدرات التي يرتكبها العسكريون وعناصر المؤسسات الأمنية.

إذن، يقوم التحليل القانوني على فحص الجريمة نفسها، ثم التحقق من وجود استثناء ينطبق عليها، لا على الاكتفاء بصفة الفاعل أو الجهة التي تنظر في القضية.

ثانيًا: الجرائم المرتكبة بحق العسكريين والأمنيين لا تستفيد من العفو في الحالات المحددة قانونًا

تستثني الفقرة الثانية من المادة الثانية القتل عمدًا أو قصدًا، والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الصادر في 11 كانون الثاني 1958، عندما تُرتكب بحق المدنيين أو العسكريين أو جميع عناصر القوى الأمنية.

ويعني ذلك أن الحماية التي قررها النص لا تقتصر على الجرائم التي تقع على المدنيين، بل تشمل أيضًا الجرائم المحددة في هذه الفقرة عندما يكون المعتدى عليهم من العسكريين أو عناصر القوى الأمنية.

لكن يجب الانتباه إلى حدود هذا الحكم. فليس كل اعتداء على عسكري أو عنصر أمني جريمة قتل قصدي أو عمدي، وليس كل فعل يرتكب بحق مؤسسة أمنية يدخل تلقائيًا في قانون الإرهاب. يتوقف تحديد الاستثناء على الوصف القانوني للواقعة، والنصوص التي تنطبق عليها، والوقائع المثبتة في الملف.

كما أن وجود صفة أمنية لدى المتضرّر لا يحوّل كل جريمة إلى جريمة إرهابية. فالاستثناء الوارد في القانون مرتبط بجرائم محددة، ولا يصح توسيعه لمجرد أن الواقعة حصلت في سياق أمني أو سياسي.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين استثناء الجريمة بسبب طبيعتها وبين استثنائها بسبب صفة المجني عليه. فقد يكون الاستثناء قائمًا بسبب نوع الجريمة، وقد يرتبط أيضًا بكونها ارتُكبت بحق فئة حددها المشرّع، وفق الشروط الواردة في النص.

ثالثًا: جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية

من أبرز الأحكام التي تناولها المجلس الدستوري الفقرة المتعلقة بجرائم المخدرات. فالمادة الثانية تستثني جميع جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية، وهو استثناء يرتبط بصفة مرتكب الجريمة، ولا يقتصر على الجرائم التي يثبت فيها التكرار.

وقد أوضح المجلس الدستوري، في تحفّظ تفسيري ملزم، أن هذا الاستثناء يشمل أيضًا جرائم زراعة المواد المخدرة التي يرتكبها العسكريون وعناصر المؤسسات الأمنية.

وتكمن أهمية هذا التوضيح في أنه يمنع إخراج الزراعة من نطاق الاستثناء بحجة أن النص ذكر جرائم المخدرات بصورة عامة، أو أن الزراعة تختلف عن صور أخرى من الجرائم المرتبطة بها.

وفي الوقت نفسه، أبطل المجلس الدستوري العبارات التي كانت تربط بعض أحكام زراعة المخدرات بتاريخ صدور القانون، بحيث يُعتمد الأول من آذار 2026 حدًا زمنيًا موحدًا للجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها.

وهنا ينبغي الفصل بين مسألتين:

الأولى، أن جميع جرائم المخدرات التي يرتكبها العسكريون وعناصر المؤسسات الأمنية مستثناة من العفو وفق النص والتحفّظ التفسيري الملزم.

والثانية، أن أحكام التكرار في جرائم المخدرات التي يتناولها بند آخر من المادة الثانية تخضع لتفسير المجلس الدستوري الذي أحال مفهوم التكرار إلى تعريفه القانوني في قانون العقوبات.

لذلك، لا يصح دمج الاستثناء المرتبط بصفة مرتكب الجريمة مع الاستثناء المرتبط بتكرار الجرائم، لأن لكل منهما أساسه القانوني ونطاقه.

رابعًا: الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو

لا يقتصر نطاق الاستثناءات العسكرية والأمنية على الجرائم العسكرية بالمعنى الضيق. فالفقرة الرابعة من المادة الثانية تستثني جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو، مع مراعاة الاستثناء الخاص الذي أورده النص للأشخاص المشمولين بالفقرة الثانية من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 الصادر في 18 تشرين الثاني 2011، الذين اعتبرهم مستفيدين حكمًا من قانون العفو الحالي.

وهذا الاستثناء الخاص لا يجوز إغفاله عند قراءة النص. فالقانون لم يضع حكمًا مطلقًا يشمل كل شخص يمكن أن يُنسب إليه اتصال غير مشروع بالعدو، بل أورد فئة محددة أحال إليها صراحةً.

ومن الناحية العملية، يتطلب تطبيق هذا البند تحديد طبيعة الفعل المنسوب إلى الشخص، والوصف الجرمي الذي أعطي له، وما إذا كانت الوقائع تدخل في إحدى الجرائم المذكورة، ثم التحقق من انطباق الاستثناء الذي أحال إليه القانون رقم 194/2011.

ولا يكفي في هذا السياق استخدام أوصاف عامة مثل «قضية أمنية» أو «ملف مرتبط بالعدو» لحسم النتيجة القانونية. فالعبرة بالنص الذي ينطبق على الوقائع، وبالشروط التي وضعها المشرّع.

خامسًا: هل تحدد المحكمة العسكرية وحدها إمكان الاستفادة من العفو؟

من الأخطاء الشائعة الخلط بين اختصاص المحكمة التي تنظر في القضية وبين نطاق العفو الذي ينطبق عليها.

فكون القضية معروضة أمام القضاء العسكري لا يعني، بمفرده، أن الجريمة مستثناة من العفو. وبالمثل، فإن نظر القضاء العدلي في قضية ما لا يعني أنها مشمولة به.

قانون العفو لم يجعل اسم المحكمة معيارًا وحيدًا لتحديد المستفيدين، بل استثنى جرائم عسكرية محددة وجرائم أخرى وردت في بنود مستقلة. ولذلك، فإن تحديد أثر العفو يتطلب فحص الوصف القانوني للجرم والنص الذي يستثنيه، فضلًا عن أي شروط أخرى يفرضها القانون.

وقد يكون اختصاص القضاء العسكري مؤشرًا مهمًا على طبيعة القضية، لكنه لا يغني عن الرجوع إلى النصوص ذات الصلة. كما أن تحديد المحكمة المختصة مسألة قانونية مستقلة عن السؤال المتعلق بما إذا كان العفو يشمل الجريمة أم يستثنيها.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في الملفات التي تتضمن أكثر من جرم أو أكثر من وصف قانوني. ففي مثل هذه الحالات، لا ينبغي افتراض أن وجود تهمة مستثناة يحسم تلقائيًا مصير جميع الأفعال الواردة في الملف من دون فحص النصوص والوقائع والارتباط القانوني بينها.

سادسًا: ماذا أضاف قرار المجلس الدستوري؟

لم يُلغِ المجلس الدستوري الاستثناءات العسكرية والأمنية الواردة في المادة الثانية، لكنه وضع تحفّظات تفسيرية ملزمة على عدد من أحكامها، وأبطل عبارات محددة في مواضع أخرى.

وفي ما يتعلق بموضوع هذا المقال، تبرز ثلاث نقاط أساسية:

أولًا، تفسير التكرار في جرائم المخدرات. ألزم المجلس الدستوري باعتماد مفهوم التكرار وفق تعريفه القانوني في قانون العقوبات، بدل ترك العبارة لتفسيرات متباينة.

ثانيًا، شمول الاستثناء جرائم زراعة المخدرات. أوضح المجلس أن استثناء جميع جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية يشمل أيضًا جرائم الزراعة التي يرتكبونها.

ثالثًا، توحيد الحد الزمني. أبطل المجلس عبارات كانت تربط بعض أحكام زراعة المخدرات بتاريخ صدور القانون، وأكد اعتماد الأول من آذار 2026 حدًا زمنيًا موحدًا للجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها.

وتكشف هذه التعديلات أن دور المجلس الدستوري لم يقتصر على تأييد الاستثناءات أو رفضها، بل شمل ضبط تفسيرها وتوحيد تطبيقها، بما يحد من التناقض في تحديد نطاق العفو.

لكن لا يجوز تحميل القرار ما لم يقله. فهو لم يقرر أن كل جريمة ذات طابع أمني مستثناة، ولم يجعل الصفة العسكرية وحدها سببًا عامًا لإسقاط حق الاستفادة من العفو في جميع الجرائم. إنما أبقى الاستثناءات ضمن حدود النصوص التي تناولها، وفرض تفسيرًا ملزمًا في المسائل التي رأى ضرورة توضيحها.

لا صفة الفاعل وحدها ولا اسم المحكمة يكفيان لحسم المسألة

يكشف قانون العفو العام رقم 70 وقرار المجلس الدستوري رقم 12 أن تحديد المستفيدين من العفو في الجرائم العسكرية والأمنية يتطلب قراءة دقيقة لمجموعة من الأحكام المتمايزة.

فالجرائم العسكرية المحددة في قانون القضاء العسكري والجرائم الشائنة المشار إليها في المادة 105 مستثناة وفق المادة الثانية. كما تستثنى جرائم القتل القصدي أو العمدي والجرائم الإرهابية المحددة عندما ترتكب بحق المدنيين أو العسكريين أو عناصر القوى الأمنية، فضلًا عن الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، مع مراعاة الاستثناء الخاص الذي أورده القانون.

أما جرائم المخدرات، فقد حسم المجلس الدستوري أن الاستثناء يشمل جميع هذه الجرائم المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية، بما فيها الزراعة، مع إخضاع مفهوم التكرار لتعريفه القانوني وتوحيد الحد الزمني عند الأول من آذار 2026 بالنسبة إلى الجرائم المشمولة بالعفو.

والنتيجة أن السؤال القانوني الصحيح ليس ما إذا كان الشخص عسكريًا أو أمنيًا فحسب، ولا ما إذا كانت القضية أمام المحكمة العسكرية، بل ما إذا كان الفعل المنسوب إليه يدخل في إحدى فئات الجرائم التي استثناها القانون، وما إذا كانت شروط النص والتحفظات التفسيرية الملزمة تنطبق على ملفه.

هذه المقاربة هي التي تمنع التوسع في الاستثناءات من جهة، وتمنع أيضًا منح العفو في حالات أخرجها المشرّع صراحةً من نطاقه من جهة أخرى.